ِإسرائيل تقتل الأشخاص الذين كان بمقدورهم إنهاء حروبها
مقال لمحجوب زويري يناقش كيف أن اغتيال إسرائيل للشخصيات القادرة على التفاوض يقضي على إمكانية إنهاء النزاعات ويخلق فراغات أكثر تشدداً.
أهم النقاط
- صرح سير جون ساورز للفايننشال تايمز في سبتمبر 2026 بأن إسرائيل قتلت علي لاريجاني عمداً.
- أُغْتِيل الكونت فولكه برنادوت في القدس عام 1948 على يد أفراد من منظمة ليهي.
- قُتل محسن فخري زاده قرب طهران في نوفمبر 2020 في عملية نُسبت إلى إسرائيل.
- اغتيلت إسرائيل إسماعيل هنية في يوليو 2024 أثناء محادثات وقف إطلاق النار.
في السياسة الدوليةِِ غالباً ما يُفترض أن الح الحروب تنتهي عندما يصبح القتال لا يطاق وتلجأ الأطراف إلى الدبلوماسية. لكن الدبلوماسية تتطلب محاورين تتمتع شخصياتهم بالمكانة اللازمة للتفاوض وبالسلطة لإنجاز الاتفاقات.
عند إزالة هؤلاء، تفقد الحرب لا مرشحيها للوساطة فحسب، بل تفقد إمكانية الوصول إلى تسوية من الأساس. ويجدر تذكر هذا الأمر في ضوء تقييم حديث بارز.
ففي أوائل سبتمبر 2026، صرح السير جون ساورز، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية، لصحيفة فايننشال تايمز بأن إسرائيل قتلت علي لاريجاني عمداً. وبحسب قراءته، لم يتم استهداف لاريجانتي لكونه يدير المجهود الحربي الإيراني، بل لأنه كان من بين الشخصيات الإيرانية القليلة القادرة على التوصل إلى اتفاق يرضي الجانبين.
وبصدور هذا الكلام عن ضابط استخبارات محترف وليس عن ناشط، يطرح هذا التقييم سؤالاً أوسع: هل يندرج اغتيال لاريجاني ضمن نمط تعمد فيه إسرائيل إلى إزالة الأشخاص الذين يمكن أن تنتهي عبرهم الحرب، وذلك في لحظات التفاوض الممكنة؟
أهو نمط أم مجرد حادثة مفردة؟ تأمل فيما تنتجه مثل هذه عمليات الاغتيال فعلياً.
إن اغتيال رئيس حكومة أو جيش يفتح فراغاً يسارع آخرون لملئه. أما اغتيال مفاوض مُعيَّن فيفتح فراغاً أصيق وأشد ضرراً، وهو فراغ الاعتدال.
وغالباً ما يكون خليفة المفاوض المقتول أقل مرونة ممن سبقه. وغالباً ما يكون أكثر تشدداً، نظراً لأن المتشددين هم وحدهم من ينجون ويبقون في السلطة.
وتفقد قناة التفاوض مؤلفها، ويُنظر إلى التشدد اللاحق من الجانبين على أنه دليل على أن الدبلوماسية لم تكن ممكنة قط.
وتصبح التكتيكات نبوءة محققة لذاتها، فهي لا تقاطع المفاوضات فحسب، بل تختلق الأدلة على أن التفاوض كان عبثياً.
والسابقة قديمة وليست وليدة اليوم. ففي سبتمبر 1948، اغتيل الكونت فولكه برنادوت، وسيط الأمم المتحدة في فلسطين، في القدس على يد أفراد من منظمة ليهي، وهي منظمة صهيونية سرية ضم قادتها رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقبلي إسحاق شامير.
وكان برنادوت يتنقل بين الأطراف مقدماً مقترحات للهدنة والتقسيم. وكان قتله يعتبرون أي تسوية بمثابة خيانة.
وظهر المنطق ذاته في نوفمبر 2020، حين قُتل محسن فخري زاده، الشخصية الأبرز في البرنامج النووي الإيراني، قرب طهران في عملية نُسبت على نطاق واسع إلى إسرائيل.
وقد أدى التوقيت، الذي جاء بعد أسابيع من انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة والتزامه بإحياء الاتفاق النووي لعام 2015، إلى اعتبار الكثيرين للعملية عقبة وُضعت عمداً في طريق الدبلوماسية أكثر من كونها خطوة لمنع الانتشار.
ويتناسب اغتيال لاريجاني في مارس 2026 مع القالب ذاته. فقد كان المفاوض الإيراني بشأن الملف النووي قبل عقدين من الزمن، ودافع عن اتفاق عام 2015 بصفته رئيساً للبرلمان.
وبعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، أصبح هو صاحب القرار الفعلي في البلاد.
ووصفه الدبلوماسيون الغربیون الذين تعاملوا معه بأنه شخصية متصلبة ولكنها براغماتية، وهو بالتحديد النظير الذي كان يمكن التفاوض معه للوصول إلى مخرج أمريكي.
ولا يقتصر هذا الأسلوب على الدول وحدها. بل تطبق إسرائيل المنطق نفسه على الجهات الفاعلة من غير الدول التي تحاربها، وتكشف النتائج عن الاستراتيجية وغموضها في آن واحد.
ففي فبراير 1992، اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله عباس الموسوي. وكان خليفته حسن نصرالله الذي بنى الحركة على مدى ثلاثة عقود لتصبح أقوى قوة مسلحة غير حكومية في المنطقة، ليمتلئ الفراغ بشخصية أشد بأساً.
وفي يوليو 2024، اغتالت إسرائيل إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ومفاوضها الرئيسي في محادثات وقف إطلاق النار بغزة، بينما كانت تلك الدبلوماسية لا تزال جارية؛ وانتقلت السلطة إلى يحيى السنوار، ولم يتعاف المسار التفاوضي بعدها.
وبعد أسابيع، اغتالت إسرائيل نصرالله نفسه. وفي كل حالة، كان الهدف هو نقطة التنسيق المتمثلة في الشخصية التي ينظم الخصم من خلالها شؤونه ويتفاوض أحياناً.
وقد أدى التخلص منه إلى إحداث ذات الارتباك قصير المدى، وظهر مرتين على الأقل خليفة أقل ميلاً نحو التسوية.
وعند النظر من خلال عدسة إسرائيل الاستراتيجية الخاصة، يبدو هذا متسقاً لا مجرد انتقام محض. فبالنسبة لدولة تعتبر النظام الإيراني تهديداً وجودياً، فإن النتيجة المفضلة هي انهيار ذلك النظام، لا التوصل إلى تسوية تفاوضية معه.
إن الاتفاق المستدام الذي يرعاه براغماتي موثوق من شأنه أن يثبت النظام ذاته الذي تريد إسرائيل إسقاطه، وسيقضي على الضغط العسكري الأمريكي الذي تعتمد عليه آمال الانهيار.
والتأثير واضح داخل إيران نفسها. فالضغط الخارج تميل تداعياته إلى تشديد التردد الذي يدعي كسره، مما يوسع الهوة بين قيادة سياسية تعترف بتكلفة الحرب ومؤسسة أمنية تعتبر كل ضربة دليلاً على صحة التحدي.
وإزالة البراغماتيين تميل بهذا التوازن أكثر نحو المعسكر الثاني، وإلى الاستنتاج بأنه لم يبق شيء للتفاوض بشأنه.
وكان مبرر إسرائيل المعلن في كل حالة عسكرياً ووقائياً، وهو قطع رأس قيادة معادية. وهذا الادعاء ليس بلا أساس.
فلم يكن لاريجاني حمامة سلام، فقد ساهم في إدارة المجهود الحربي وترأس حملات قمع قاسية في الداخل.
وقد قاد هنية حركة مسؤولة عن هجوم أكتوبر 2023. أما نية إيقاف الدبلوماسية فهي مستنتجة وليست مثبتة، والعوائد غير مؤكدة، فكما أظهر اغتيال الموسوي، يمكن أن تؤدي إزالة زعيم إلى ظهور خليفة أقوى وأشد صلابة بدلاً من زعيم قابل للتطويع.
استراتيجية غير مؤكدة ومع ذلك، هناك أمر أكثر استقراراً يكمن تحت هذه الحالات. إن التخلص من السياسيين الذين تهدد مساراتهم إسرائيل ليس بالأمر الجديد؛ بل إن إزالتهم بالكامل أصبحت شبه أولوية توازي شن حرب عسكرية شاملة تعتقد إسرائيل أنها تفوز فيها بشكل حاسم على أي خصم في المنطقة وربما خارجها.
لكن التفوق العسكري وحده لم يكن كافياً. ففي الحالة الإيرانية، وعلى الرغم من الدمار الذي ألحقته إسرائيل والولايات المتحدة، لم ترفع طهران الراية البيضاء.
وهنا يتبلور تعريف ثانٍ للنصر، وهو صناعة فوضى سياسية داخلية قادرة على دفع النظام الإيراني نحو الانهيار السياسي التام.
وهذا هو جوهر استراتيجية إسرائيل في حربها على إيران، وهو يتجاوز أهمية أي عملية اغتيال منفردة.
ولا يزال مآل هذه الاستراتيجية غير مؤكد. ولكن إذا أُزيلت الشخصيات القادرة على إبرام اتفاق بالسرعة التي تظهر بها، وتفريغ مراكز الحكم والتفاوض لدى الخصوم عمداً، يصبح السؤال حتمياً: من البقي لكي يُصنع السلام معه، وهل استراتيجية تحقق الانتصارات في ساحة المعركة عبر إفراغ طاولة المفاوضات تنفذ منها في النهاية أي قدرة على إنهاء الحرب برمتها؟